محمد الغزالي

23

فقه السيرة ( الغزالي )

محمد صلى اللّه عليه وسلم منكم . إنّ القرابة الروحية والعقلية هي الرباط الوحيد بين محمد عليه الصلاة والسلام ومن يمتّون إليه . فأنّى للأرواح المريضة والعقول الكليلة أن تتصل بمن جاء ليودع في الأرواح والعقول عافية الدين والدنيا ؟ ! . أهذا الجوار اية حبّ ووسيلة مغفرة ؟ ! . إنك لن تحبّ للّه إلا إذا عرفت أولا اللّه الذي تحبّ من أجله ! ! فالترتيب الطبيعيّ أن تعرف قبل كل شيء : من ربّك ؟ وما دينك ؟ فإذا عرفت ذلك - بعقل نظيف - وزنت - بقلب شاكر - جميل من بلّغك عن اللّه ، وتحمّل العنت من أجلك ، وذلك معنى الأثر : « أحبّوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبّوني بحبّ اللّه . . » « 1 » ، ومعنى الآية : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) [ آل عمران ] . ثم إن نبيّ الإسلام لم ينصّب نفسه ( بابا ) يهب المغفرة للبشر ، ويمنح البركات ، إنه لم يفعل ذلك يوما ما ، لأنه لم يشتغل بالدجل قط . إنه يقول لك : تعال معي ؛ أو اذهب مع غيرك من الناس ، لنقف جميعا في ساحة ربّ العالمين نناجيه : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) [ الفاتحة ] .

--> ( 1 ) هذا حديث ضعيف الإسناد ، أخرجه الترمذي : 4 / 343 - 344 ، بشرح التحفة ؛ والحاكم : 3 / 150 ؛ وأبو نعيم في حلية الأولياء : 3 / 211 ؛ والخطيب في تاريخه : 4 / 160 ، من طريق هشام بن يوسف ، عن عبد اللّه بن سليمان النوفلي ، عن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس ، عن أبيه ، عن ابن عباس مرفوعا به ، وقال الترمذي : « حديث حسن غريب ، إنما نعرفه من هذا الوجه » ، وقال الحاكم : « صحيح الإسناد » ووافقه الذهبي . وهذا من تساهلهم جميعا لا سيما الذهبي ، فقد أورد النوفلي هذا في ( ميزان الاعتدال في نقد الرجال ) ، وقال فيه : « فيه جهالة . ما حدث عنه سوى هشام بن يوسف » ثم ساق له هذا الحديث ، فأنّى له الصحة ؟ ! وقد تفرّد به هذا المجهول ، ولم يوثقه أحد ، ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر في ( التقريب ) : إنه ( مقبول ) ، يعني : عند المتابعة ، فأنّى المتابع له ؟ ! ولذلك فقد أصاب ابن الجوزي حين قال : « هو غير صحيح » كما نقله المناوي في ( فيض القدير ) ، وتعقبه بما لا طائل تحته ! . نقول : ومع نقد الأستاذ لهذا الحديث فنحن نقبله ؛ لأنّ معناه يوافق الآية ، ولأنه في الفضائل .